يوم الأحد 20 نوفمبر 2011

185

اليوم الثاني


تابع اليوم الأول                                                                                                        تابع اليوم الثالث

لم تدم هذه الهدنة التي انتهت بها اشتباكات يوم السبت التي استمرت لصباح الأحد. فقد قامت قوات الشرطة بخرق هذه الهدنة وقامت بالاشتباك مع المتظاهرين من اتجاه شارع محمد محمود. وأسفر ذلك عن إصابات متعددة بالاختناق في صفوف المتظاهرين لكثرة إطلاق الغاز. وقد استمرت هذه الاشتباكات في الشوارع المؤدية الى التحرير وبالأخص في شارعي محمد محمود والقصر العيني، الذين شهدا حرب شوارع ومعارك شرسة بين المتظاهرين وقوات الشرطة. فكما أشار موقع جريدة اليوم السابع: “كثفت قوات الأمن المركزي من تواجدها بشارعي القصر العيني ومحمد محمود، حيث قامت بضرب متظاهري التحرير بالقنابل المسيلة للدموع بكثافة، الأمر الذي أدى إلى انحصار المتظاهرين داخل ميدان التحرير. من جانبهم قابل المتظاهرون قوات الأمن بإلقاء زجاجات المولوتوف عليهم، يأتي هذا فيما ألقت قوات الأمن ما يقرب من 50 قنبلة مسيلة للدموع في بضعة دقائق قليلة على المتظاهرين بطريقة عشوائية.”

استمرت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الشرطة ومعها استمر ازدياد عدد المصابين. فحكى مواطن في شهادته لمركز النديم في مقابلة أجريت معه في 4 ديسمبر 2011: “رحنا التحرير الأحد قبل اللي فات (20 نوفمبر)، فطبيعي بنلف في الميدان لغاية ما جينا عند محمد محمود. لقينا ناس بتجري علينا إلحقوا فيه ناس بتقع وما حدش لاحق يجيبهم. كان معايا 3 أصحابي وسامعين ناس بتصرخ وراهم فجرينا. فيه ناس لحقت الناس اللي واقعة قدام. رحنا نشيلهم. سمعت حد ضرب طلقة. اللي جنبي ده نص وشه طار وقع وما حطش منطق، مات في ساعتها جنبي اتضرب في وشه ونزل زي أعصابه ارتخت ونزل في الأرض. أنا ببص على مصدر ضرب النار مخضوض ومش فاهم، فكان اللي ضرب إتحرك من ورا المصدة الحديد، وجه واحد نقيب (3 نجوم). لقيت عمود، وقفت وراه، فجت الطلقة دي هي دخلت من فخدي هنا وخرجت من الجيب اللي ورا. الدكاترة قالوا لمست العصب فشلت قدمي اليمين ونص رجلي مش حاسس بيه. أنا ساعتها حسيت بصدمة كهربائية جامدة في رجلي، وقعت على الأرض ناس شالوني وودوني المستشفى طبعاً كانت الطلقة دخلت وخرجت فما فيش حاجة يشيلوها. شالوا الرايش (ده المستشفى الميداني)، وقالوا طالما رجلك مش حاسس بها لازم تطلع على المستشفى، رحت السلام الدولي.” وفي عصر يوم الأحد “شبت النيران […] في إحدى العمارات السكنية في شارع محمد محمود نتيجة للقنابل الحارقة التي أطلقتها الشرطة على المتظاهرين الذين كانوا يحاولون الوصول إلى مقر وزارة الداخلية. ولم تتمكن سيارات الدفاع المدني من الوصول إلى مكان الحريق بسبب كثافة إطلاق القنابل والمتاريس الأمنية.”

عدد المتظاهرين استمر في الازدياد واستمرت الاشتباكات بين قوات الشرطة والمتظاهرين في شارع محمد محمود. حتى الساعة 4:40 مساء الأحد حين بدأت قوات مشتركة من الجيش والشرطة في اقتحام الميدان ومحاولة إخلائه. وكانت هذه هي أول مرة تظهر فيها قوات الجيش وليس فقط الشرطة العسكرية في هذه الأحداث. وتدخلت قوات من الصاعقة والشرطة العسكرية من اتجاه القصر العيني. في خلال 10 دقائق تم فض الميدان بشكل عنيف وقامت قوات الأمن المركزي بحرق الخيام والدراجات النارية الموجودة. أسفر هذا الفض عما يزيد عن 214 إصابة مما رفع أعداد المصابين النهائية إلى 1700، ومقتل 10 متظاهرين وإلقاء القبض على آخرين، وتم إسعاف ٨٢ حالة بموقع الأحداث.

وأوضح بيان أخير لوزارة الصحة عن الأحداث الجارية أنه “تم نقل ١١٠ حالات إلى مستشفيات المنيرة وقصر العيني والفرنساوي وأحمد ماهر.” كما قامت قوات الأمن أثناء الهجوم بإطلاق الغاز المسيل للدموع على المستشفى الميداني مما دفع لإخلائها، وأقيم مستشفى ميداني بكنيسة قصر الدوبارة التي “ألغت اجتماعها الأسبوعي مساء اليوم، وفتحت أبوابها لحماية المعتصمين، وتقديم وحدة علاج لاستقبال المصابين.”

من ضمن الشهداء الذين سقطوا في عملية الفض شهاب الدين أحمد الدكروري، العضو بحزب “التيار المصري” بالفيوم، وكتب عبد الرحمن فارس، عضو ائتلاف شباب الثورة، والمتحدث الإعلامي باسم حزب التيار المصري، على صفحته على موقع الفيسبوك : “يا رب! ليه بقى مكتوب علينا نقف قدام المشرحة كل يوم ونشيع شباب من سننا؟ صديقي شهاب الدين أحمد قابلني إمبارح في التحرير حوالي الساعة 2.30 بالليل، وكان قاعد لوحده سلمت عليه ومشيت، لأني كنت مهموم لأن صديق آخر استشهد في الإسكندرية. شهاب جالي خبر استشهاده من شوية. آخر مرة قابلته في الفيوم كانت من قبل العيد. كان بيكلمني في إزاي لازم نتحرك ونعمل شغل كويس حتى لو مفيش إمكانيات في ايدينا، عشان لازم مرشح الشباب ينجح. وقال لي ‘انت أملنا في إننا نشوف حد بيعبر عننا جوه البرلمان.’ شهاب مات يا مجلس يا عسكري! شهاب إتقتل يا مصريين بدون أدنى كرامة، ورموه جنب الزبالة ملعون أبوك يا سكوت.”

IMAGE 3

حمل هذا اليوم شهادات مختلفة من بين مصابين وممن تم القبض عليهم ومن شاهدوا آخرين يسقطون بجوارهم. كان الفض عنيفا بشكل غير مبرر، مليء بالغل. فكان أكثر من مجرد إخلاء للميدان. فحكاية م.ر. في شهادته عن هذا اليوم وعن كيف تمت مطاردته حتى شارع الجلاء حيث أصاب بطلق ناري في قدمه تلخص فكرة الانتقام التي كانت واضحه في هذا اليوم. فم.ر. لم يكن في ميدان التحرير عندما أصيب، ولم يكن في موقع هجوم، ولكنه كان يركض من رصاص الداخلية بعيدا عن الميدان. قال م.ر. وهو يحكي عن هذا اليوم “تاني يوم رجعت […] صدري كان تعبني من الغاز؛ لان كان ضرب غاز كتير، وكان معي واحدة زميلتي، فما كنتش اقدر اخش جوه، فكنت بعالج الناس من برة. بعد كده جه الجيش هجم على الميدان. وطبعا الناس كانت بتقع. أنا جريت على ناحية كوبري قصر النيل، وفضلوا يجروا ورانا، وكان في أيديهم عصاية خشب كده، وحطين فيها مسامير، على أساس لما تيجي في دماغ حد تخلص عليه. المجموعة اللي كانت بتجري ورائي كان فيها جيش ووصلنا تقريبا لغاية كوبري الجلاء. وطبعا اللي كان بينزل في مترو الأوبرا كانوا بينزلوا وراه ويتضرب ويتجاب. وبعد كده الطلقة جات في رجلي. كنت أنا أصلا ما أعرفش إيه تأثير الرصاصة فأنا إفتكرتها طوبة، وفضلت ماشي بالعافية ولكن شوية ولقيت الألم بيزيد قلت إتضربت بالخرطوش، وبعدين لقيت رجلي مش شايلاني.”

شهادة م.ر. ليست الوحيدة عن إصابته هذا اليوم، فقال مواطن لمركز النديم “في 20 نوفمبر رحت على الميدان على الظهر، وكان معي أدوية وكمامات وميكوجيل. من الساعة 12 إلى 4 رحت مع أصحابي نريح عند المجمع. على 4.30 لقينا الناس كلها بتجري. فجأة جيت على جنب لقيت مدرعات داخلة، والناس بتكمل جري، طلعت على الرصيف واتزنقت هناك، ولقيت عساكر الجيش نازلين ضرب فينا، من الزنقة بقينا كلنا على الأرض، وهما بالعصيان الكهربا، بس سامع صوتها, كنت حاططإيدى على رأسي عشان أحمي نفسي، ومعي محلول جلوكوز. الناس إبتدت تجرى في اتجاه ميدان التحرير، وعلى الناصية هناك عسكري ضربني على وشى بالعصاية وفضلت على الأرض شوية. أنا أكيد فقدت الوعى، وواحد ابن حلال أخذني وركبنى المترو. أول ما خرجنا لقينا عربية إسعاف ركبني العربية، وإتنقلت مستشفى الهلال. كان وشى كله دم، والقورةاتفتحت، وأنفى إنكسر، وكسر في أصابع اليمنى واليسرى، وكسر في الأسنان، وكدمات في جميع أنحاء الجسم الناتجة عن الضرب والوقعات.” (التقارير الطبية موجودة)

وحكى آخر قائلا :” كنت متواجد من 9 الصبح. أنشطة تدوينية. قعدت لغاية بالليل. بصور لحد الساعة 5 ونص المغرب (كنت في شارع متفرع من محمد محمود) لقيت تشكيل من الجيش جاي من ناحية الشمال ماسكين العصيان في إيديهم (جيش مش شرطة عسكرية) الناس جريت. استنيت شوية عشان التدافع، لقيت تشكيل تاني جاي من اليمين، فبقيت في كماشة. عملوا علينا نص دايرة في الحيطة ضرب. ضرب بالعصيان وشتيمة: ‘انتوابتموتوازمايلنا.’ الضرب كان على دماغي. أخدت ضرب على دماغي وقعت. كملوا ضرب على كل جسمي. حاولت أقوم، ضربوني تاني. جه واحد تاني افتكرني لسة ما اتضربتش، فكمل ضرب. وقعدوا يدفعونا لحد ما دخلونا مكتب سياحة (المكتب اللي جنبه اسمه رمسيس) (نفس المكان اللي متصور فيه الفيديو بتاع جثة الزبالة). دخلونا جوا. كنا حوالي 40 واحد، وكان معانا بنات. الميدان كان كله فضي قدامنا، واحنا اتبقينا، اتفزعنا (قطعوا الكهرباء عن الميدان فيما عدا بعض عمدان، العمارات في محيط الميدان كانت ضلمة). جه عساكر مجموعة جديدة (جيش). افتكروا إن احنا ما اتضربناش. وحصل خلاف بين المجموعتين حجزونا حوالي نص ساعة. فيه بنت جالها انهيار عصبي (قعدت تصرخ)، قالوا: ‘خلاص هنطلعكم عشان الحريم.’ بدأوا يطلعونا على دفعات. كانوا سيطروا على الميدان كله والشوارع المؤدية إليه. لما جم يطلعونا من مكتب السياحة كانوا كل مجموعة من الضباط تنادي على المجموعة اللي بعدها عشان يعدونا. ضابط شرطة شدني وقال: انت من الثوار. الجيش شاور له عدوهم سابون.. كان علينا نمشي في شوارع جانبية عشان نطلع من المنطقة. ساعتها انتبهت للإصابات. وواحد زميلنا طبيب قال ‘انت لازم تروح مستشفى.’ أخدت تاكسي ورحت ‘القبطي’. الإصابات: غرز في الدماغ. كسر في المشطية الخامسة الإيد اليمين.”
كما حكى آخر عن ضربه من قبل قوات الأمن في نفس المكان قائلا “يوم الأحد 20/11/2011 كنت متواجد في ميدان التحرير من الساعة 1 الظهر، لأن المقر بتاعي في 31 ش محمد محمود. مقر حزب “أنت مصري”، حزب سياسي تحت التأسيس، ومشرف على تأسيسه الإعلامي وائل الإبراشي، وأنا وكيل المؤسسين. أحد أصدقائي اتصل الساعة 4 العصر، نزلت قابلته في الميدان، ومشيت معاه ووقفنا شوية عند مكتب “سفير” للسفريات على ناصية الشارع اللي بيوصل للفلكي، وبعدها تحركنا لأول شارع محمد محمود أسفل محل هارديز، فوجئت إن وفود من المتظاهرين بيجروا، بصراحة أنا ما جريتش عشان كان معي بنات، وبسبب تدافع الناس السور الحديد الأخضر وقع على رجلينا. كان وراهم قوات الجيش بعصيان وخرزانات ضخمة (اللي هي طول الذراع). ولقيته بيضرب بهمجية وبربرية، وكان بيشتموبيقول ‘أنتواعاوزين تموتونا يا ولاد الكلب.’ حاولت أكلمه وأقول له إننا أخوات والمفروض نتحاور، فضل يضرب على دراعي وراسي جامد، أنا فقدت الوعي للحظات ووقعت وبعدين قمت وجريت. هجموا علينا تاني حوالي 9 عساكر جيش ومعاهم 3 عساكر أمن مركزي، وعملوا علينا كردون حبسونا فيه داخل محل سفير، وفضلوا يتناوبوا علينا ضرب؛ حوالي خمسة بيضربوني في وقت واحد. حاولت استخبى وراء المكاتب لأن الضرب مش منقطع. نجحت أخيرا إني استخبى. وفضلت اسمع الشتيمة والضرب شوية. بعد شوية لقيتهم بيقولوا ‘المصاب يطلع بره.’ طلعت برا المحل. أخدني عسكري امن مركزي وداني العيادة الميدانية وسلمني للدكتور. رحت العيادة فوجئت بواحدة زميلتي مضروبة وبتتعالج. عالجوني وغطوني بشاش وصورت معايا مراسلة برنامج العاشرة مساءا.”

هذه بعض الشهادات لمصابين هذا اليوم، التي ترسم بشكل ما صورة للفض. هناك مئات الشهدات الأخرى التي لم نتمكن من جمعها، والتي ستتشابه مع هذه القصص من ناحية وتختلف معها من نواحي أخرى. وتفاصيل كل حكاية ترسم بشكل ما تاريخ هذا اليوم وتاريخ هذه الفترة بشكل عام.

بالإضافة إلى مئات الإصابات، تم اعتقال عدد من الشباب والشابات أثناء هذا الفض العنيف، حكى بعضهم شهادته لمركز النديم. فقالت شابة “كنت في الشوارع الجانبية من شارع محمد محمود يوم الأحد 4.30 مساء. كنت بصور اللي بيحصل. فجأة دخل الأمن المركزي الشارع الجانبي اللي كنت واقفة فيه. الكل جرى وأنا ما لحقتش أجري. لقيت حوالى 7 عساكر أمن مركزي وواحد لابس مدنى ماسك جهاز لاسلكي وابتدا ضرب بالعصيان على كل حتة في جسمي وعلى دماغى. ضربوني وسحبوني من شعري على أول الشارع وأخذوا الكاميرا وسلموني لمجموعة تانية كان فيها ضابط 3 نجوم عمليات خاصة شرطة، وكان معاه عصاية كهربية، وكان هو عمال يضربنى بالعصاية في كتفي وهم بيضربونىبالشلاليت، ونقلوني لواحد لابس مدني، خنقني وضربني. عدينا من قدام وزارة الداخلية وعدينا على كشك أمن مركزي في شارع الشيخ ريحان حواليه حوالي 40 عسكري امن مركزي. دخلونى الكشك والضرب مستمر والتحرش مستمر. وأنا داخل الكشك وقف ضابط ورفع ايده وقال ‘ما تضربوش عشان دى بنت.’ فتحوا شنطتي وفتشوها، وأخذوا بطاقتي وبطارية الموبايل، وجه واحد وقف قدامى وحماني وقال لى ‘هحميكى.’ لحد ما الكشك امتلأ بحوالي 30 شاب، وكلهم بيتضربوا جامد جدا. ضابط وعساكر الأمن المركزي كانوا بيخبطوا على الكشك وبيقولوا’ عايزين البنت عشان نضربها’ […] وأنا خارجة من الكشك فضلوا يضربوني لحد البوكس. نزلوني في قسم عابدين، واستقبلني ضابط مباحث، مش فاكرة اسمه، وكان بيشتمني شتائم رهيبة، ويهددني ويقول لي ‘انتىهتتعلقى هنا.’ طلعنا وقعدوني في مكتب الأمن، وضابط تانى (بيقولوا له كريم بيه) جه وقعد يشتمني. فضلت في القسم لحد الساعة واحدة بالليل في طرقة ضيقة جدا. مفيش حمام ولا أكل. كنا حوالى 40 واحد وحوالينا الدم على الحيطان. أخذوا شنطتيتانى، وأخذوا منها شريحة الموبايل. ركبنا عربية الترحيلات لمجمع محاكم مصر الجديدة؛ عشان نتعرض على النيابة. قعدوني في الحجز وكنت وحدي في حجز قذر جدا. اتعرضنا على النيابة الساعة 5 الصبح. منعوني من الاتصال بأي حد من أهلي أو أصحابي، لحد ما قابلت عسكري ووافق ياخد نمرة صاحبتي ويتصل بها يبلغها باللي حصل لى. ركبونا عربية الترحيلات الساعة 5.30 يوم الاثنين على أساس نروح قسم عابدين لإخلاء سبيلنا. كنا في عربيتين، واحدة هتروحالموسكي وواحدة هتروح عابدين. قعد يلف يلف وما راحش الطريق بتاع القسم، وبعدين سمعتهم بيقولوا إننا روحنا معسكر جيش (الجبل الأحمر) التشكيلات. بصينا لقينا قوات بتتقدم (مارش) جيش وأمن مركزي ودخلونا على حجزين، واحد اسمه إداري، وواحد اسمه المحكوم. عساكر الشرطة العسكرية كانوا بيفتشوا الشباب بضرب واهانة وأخذوا كل المتعلقات. بس محدش ضربني، ولا فتشني. وطلبت منهم بطانية عشان البرد جابوها متأخر. الساعة 10 عرفت إنهم هيخرجوني، وفعلا خرجت الساعة11.”
كما حكى مواطن آخر “كنا في ميدان التحرير تقريبا بعد صلاة العصر في شارع محمد محمود. كنا بنحاول صد الأمن عشان ما يدخلش ميدان التحرير، قبل المغرب بنص ساعة دخل علينا جنود الجيش. حاصرونا بجوار حائط وبدأ يضربونا بمنتهى العنف، وكانوا بيضربوا على الدماغ، وطبعا في كل الجسم. جه عسكري جيش دخلني جوه في شارع محمد محمود، سلمني لعسكري أمن مركزي وعسكري امن مركزي تاني ضربني بالدبشك في صدري، رأسي كانت بتنزف. ضابط شرطة شافني – كانت رأسي بتنزف دم كتير- حماني من الضرب. في المكان ده بالقرب من مبنى وزارة الداخلية كانت الناس بتنسحل وكان فيه ناس ايديها مكسرة. تركونا على جنب، وبعدين أخذوا البطاقة وودونا قسم عابدين. في الحجز بدأت أدوخ وطلبت العلاج. ردوا علي قالوا لى ‘انت إيه اللي وداك التحرير؟’ الساعة واحده بالليل رحنا لنيابة الأميرية في مصر الجديدة. التحقيق بدأ الساعة 4 الفجر. دوري كان الساعة 7 صباحا. طبعا مفيش محامين. وكيل النيابة كان بيسأل ويجاوب هو. إحنا قلنا إننا كنا متفرجين. ووكيل النيابه كان بيكتب إجابات في نفس الاتجاه. طبعا ده كان مقابل إننا ما نسجلش الضرب ولا الإصابات وإلا في الحالة دي هنبات عندهم. نزلونا في حجز النيابة تحت وتانى يوم المغرب رحلونا قسم عابدين (الاثنين). ولكن إحنا رحنا معسكر أمن مركزي. وكان الأهالي ماشيين ورانا بالعربيات، لقينا عساكر أمن مركزي واقفين بره. شكلهم كان هيضربنا. بس لما لقوا الأهالي، العربية لفت ورحنا الجبل الأحمر. سحبوا الموبايلات. أصلا الشريحة كانت مسحوبة في قسم عابدين.”

وفي نفس الوقت الذي كان يحدث فيه الفض والقتل والقبض “قدم وزير الثقافة، الدكتور عماد أبو غازي، استقالته بعد فض الاعتصام بالتحرير بالقوة من جانب الأمن المركزي والشرطة العسكرية.” في حين أن مجلس الوزراء في بيان له “أكد التزامه الكامل بإجراء الانتخابات في موعدها، وأن التوتر المفتعل حاليا يستهدف تأجيل الانتخابات أو إلغاءها؛ لمنع إعادة بناء مؤسسات الدولة، مشدداً على دعم الحكومة لوزارة الداخلية بشكل كامل في إجراء الانتخابات، ومساندتها في مواجهة أعمال العنف، وأنها توجه الشكر لها على تحلى الأفراد والضباط بأقصى درجات ضبط النفس للتعامل خلال الأحداث. وشدد مجلس الوزراء في بيان صادر عنه مساء اليوم الأحد، على حق المواطنين في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، إلا أنه يرفض بشدة محاولات استغلال هذه التظاهرات لزعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفرقة، في وقت تحتاج فيه مصر إلى الوحدة والاستقرار.

وأشار مجلس الوزراء إلى استمرار الاتصال والتنسيق بين الحكومة ومختلف القوى الوطنية وصولا إلى توافق وطني عام على القضايا السياسية لوضع معايير الجمعية التأسيسية التي ستقوم بوضع الدستور المصري، وقضية مدنية الدولة.”
وحكى أبوغازي عن هذا اليوم قائلا “وصلت مجلس الوزراء الساعة 10 الصبح، كان أول واحد موجود وزير الداخلية، اللواء منصور العيسوي، وكان في حالة ثورة شديدة. قال لي إن المرة ديه هو مستقيل ومش هيرجع في استقالته. وحاولت أفهم منه بس كان في حالة غضب شديد جدا من اللي بيحصل. دخلنا الاجتماع، بدأ بالكلام، وقال ان فض الاعتصام تم بالمخالفة لأوامره. وإن هو ابلغ من مساعديه بأنهم سيتوجهوا لفض الاعتصام صباح يوم السبت، وأنه قال لهم إن ده ما يحصلش. لكنه حصل، وأبلغوه بعد التنفيذ وقالوا له إن ده طلب من المجلس العسكري إن الاعتصام يتفض قبل الظهر. هو اعتبر إن ده تدخل في عمله، ومن وجهة نظره إن الاعتصام مش مسبب مشكلة، وإن حتى لو عاوزين نفضه ممكن يتفض بهدوء بالليل بدون ما تحصل خسائر.

أثناء الاجتماع كانت بتيجي أخبار تصاعد الاشتباك كل شوية وازدياد عدد الضحايا، شهدا كانوا أو مصابين. كان مسار الجلسة كله حول الموقف اللي ستأخذه الحكومة. إن الحكومة ستطرح استقالتها وإن إذا الاستقالة تم رفضها، سيكون فيه شروط للاستمرار. إن يبقى في لجنة تقصي حقائق تعلن نتيجة أعمالها للشعب، وقف العمل بحالة الطوارئ، وقف المحاكمات العسكرية، مجموعة مطالب إذا الحكومة استمرت.

بعد العصر تقريبا جالي مكالمة من بنتي، حكت لي الحالة وتصاعد الاشتباكات والقتلى الذين يسقطوا والاقتحام اللي بيحصل لميدان التحرير. فبعد ما كنا أوشكنا على الانتهاء، طلبت الكلمة، وقلت إن بيحصل كذا كذا. في نفس الوقت، تم استدعاء مجلس الوزراء بكامل هيئته للاجتماع مع المجلس العسكري. برضه كلمت صديق صحفي شاب موجود في الثورة من أول يوم أشوف الأخبار منه. اكد لي الأخبار اللي قالتها لي بنتي وزود عليها تفاصيل تانية. وزير الداخلية وقتها اتصل بالوزارة بمساعديه ادعوا إن مفيش اقتحام لميدان التحرير، وقال ده في مجلس الوزراء. بعد لحظات جاءت مكالمة لوزير الإعلام من التليفزيون يحكوا له عن الاشتباكات في ميدان التحرير، ويقولوا له إن الكاميرات هناك بتصور نذيع ولا ما نذعش، وقال ده في مجلس الوزراء. ساعتها أنا أعلنت إن أنا مستقيل من الحكومة، وقلت للدكتور عصام شرف أنى مش رايحمعاكم للاجتماع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولما قعد يؤكد عليا قلت له إني ما أقدرش ارفع عيني في عين بنتي لو استمريت في الحكومة بعد اللي حصل، ولا اقدر امشي في الشارع وسط جيراني والناس اللي اعرفهم بعد اللي بيحصل ده. ونزلت وقابلت بنتي والصديق الصحفي وبلغتهم أنى استقلت وطلبت منهم يخرجوا الخبر. لما ركبت العربية جالي مكالمة من صديق تاني قال لي ‘إذا كنت بتفكر في الاستقالة ده الوقت المناسب.’ فقلت له إن أنا استقالت فعلا. رحت المكتب لميت حاجتي وكتبت الاستقالة وبعت نسخة لمجلس الوزراء ونسخة لبيت الدكتور عصام”. تضيف هذه الشهادة طبقة جديدة للأحداث تسعدنا على فيهم الحكاية بشكل اشمل.

IMAGE 3

وظهرت مجوعة من الفيديوهات التي سجلت عملية الفض العنيفة. أشهر هذه الفيديوهات هو فيديو لقوات الأمن تقوم بسحل جثث المتظاهرين وتركها بجوار القمامة. كما ظهر الفيديو الشهير باسم فيديو قناص العيون الذي يظهر فيه محمود صبحي الشناوي وهو يصيب عيون المتظاهرين عمدا، ويحييه الجنود من حوله، وكما شرح ع.ع”اعتقد أنها كانت أول مرة يطلع فيديو من وراء، هم شايفين إيه وهم بيقولوا إيه،الحاجات دي انت بتشوفيها في الشارع. بتشوفيهم وهم بيشتموا وكده بس ما بتبقيش واقفة معاهم. بتبقي واقفة قدامهم وبتتشتمي منهم. بس فكرة إن الكاميرا واقفة معاهم، وإن واحد قال له ‘جدع يا باشا،’ والتفاعل ده متوقع بينهم، لكن إنهم يتفقوا إنهم ينشنوا على العيون! لو ده كان مؤشر لشيء فان المعركة دي مش هنكسبها. وبما إن المعركة دي مش هنكسبها وبعد كده يقى واضح إن المعارك اللي بالشكل ده مش هنكسبها. […] كنت حاسس إن الناس محتاجين تشوفها علشان حاجة شريرة قوي. فكرة إن فيه ناس مش بتعور الناس لكن بتعمي الناس اللي قدامها. كأن كان في خط كده وهما عدوه.”

IMAGE 6

وبعد أن تم فض الميدان بوحشية، انسحبت قوات الأمن، وعاد المتظاهرين، وبدأت من جديد عمليات الكر والفر والاشتباكات. كما حكى شاب في شهادته لمركز النديم، “يوم 20 نوفمبر سمعت عن اللي بيحصل في محمد محمود – كنت متنرفز ومش مصدق قوى إن في ضرب بالطريقة دي. قررت أنزل وأشوف بنفسي كانت الساعة وقت ما وصلت ما بين 9.30: 10.00 مساء. مشيت لحد أول تقاطع..كان فيه مدرعة تبدو مدرعة جيش وفيه شرطة وجيش بيضربوا نار. طلعت قعدت فوق سور عشان أشوف المنظر كله. طفوا النور عن المنطقة وكان نور المدرعات في عيني. أصبت بطلق ناري، دخل من أعلي ذراعي الأيمن وطلع من الظهر بجوار العمود الفقري. ما عرفتشإنى انضربت بطلق. ما شفتش في الضلمة. أنا دخت وحسيت إني تعبان قوى، لكن لم أفقد الوعي. جه دكتور من الميدان. تخيل إن في كسر ولا خلع في المفصل. مسك كتفي ما لاقاش حاجة. قال ما فيكش حاجة. كنت لابس سويت شيرت أحمر فالدم ما كانش باين خاصة مع قطع النور. طلبت عصير ولا حاجة بسكر ما لقتش وقتها. فطلبت حد يروحنى البيت. جه شاب بموتوسيكل أخذني وراه لحد المتحف المصري وركبنى ميكروباص لرمسيس. بأتكلم مع شاب جنبي في اللي حصل، قال لي ‘ما فيش خرم في التى شيرت؟’ وبعدها بص لقي خرم. نزل معاياعلي صيدلية في الميدان. قلعوني التي شيرت، لقوا الفانلة اللي تحت البيضاغرقانة دم. فأخذوني لمستشفي الهلال. قعدت هناك حتى عصر الثلاثاء. الأطباء قالوا تثبيت مش جراحة.”

تابع اليوم الأول                                                                                                        تابع اليوم الثالث

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY