يوم السبت 19 نوفمبر 2011

210

اليوم الأول


تابع اليوم الثاني

“في اليوم التالي، كان عندي افتتاح لمعرض ابتكارات أطفال المدارس مع الدكتور احمد جمال الدين موسى وزير التربية والتعليم، في حديقة الطفل التابعة لوزارة الثقافة في السيدة زينب، وأنا رايح عديت على ميدان التحرير كان الطريق عادي جدا مفيش أي مشكلة والطريق سالك والخيام زي ما هي. وإحنا خارجين من الاحتفال الحارس بلغني إن جاله اتصال ان ما نرجعش من ميدان التحرير لأن في اشتباكات في الميدان. اضطررنا نرجع من الجيزة لمكتبي في الزمالك. بدأت افتح التليفزيون وأتابع، فتبين إن قوات الأمن المركزي نزلت تفض بالقوة الاعتصام الموجود وحصل اشتباك مع المعتصمين وبدأ مجموعات من الشباب تتوافد على الميدان. أنا مش فاكر ترتيب الأحداث إمتى سقط أول شهيد، بس في حد استشهد في اليوم ده، وفي نفس الوقت عربية ترحيلات دخلت الميدان في وسط الاشتباكات وهي مفيهاش غير سواق تقريبا وتركها ونزل فالمتظاهرين أشعلوا النار فيها وفضل التليفزيون يذيع المشهد –التليفزيون الحكومي، لعدة ساعات. هنا دي قرايتي الشخصية، الرسالة واضحة إن اهو الشباب بيخربوبيحرق. على آخر النهار كانت زادت الاشتباكات وزادت حدتها. بالليل تم إبلاغنا إن في اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء يوم الأحد صباحا”

هكذا حكى أبوغازي عن اليوم الأول الذي بدأت بعده اشتباكات دامية استمرت أسبوعا وراح ضحيتها 43 شهيدا في القاهرة وآلاف المصابين الذين فقد عدد منهم بصره. في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 19 نوفمبر 2011، قامت “قوات الأمن بشقيها المدني والعسكري على نحو مفاجئ بفض اعتصام نحو200 شخص بميدان التحرير، وإزالة كافة الخيام التي أقيمت في الميدان” كما “ألقي القبض على عدد من الشباب المحتجين منهم عماد الخواجة وكريم وعمرو السوسي الذين تواجدوا بالجزيرة الوسطي “الحديقة “.

لم يكن الاعتصام يعيق الحركة المرورية وعلى الرغم من أن الاعتصام كان موجودا منذ اكثر من أسبوع من تاريخ فضه، قررت قوات الأمن فض الاعتصام كما حكى شهود العيان مستخدمين العنف المفرط فكما حكت إحدى المتواجدات أثناء الفض أن “الساعة 10 صباحا كنا في الصينية حوالي 15 نفر والعدد الآخر مشابه تقريبا، هجموا علينا في الصينية أكثر من 20 عربية أمن مركزي. في ثواني نزل من العربيات آلاف ويجروا هه هه بالعصيان الكهرباء والظباط أمامهم ودخلوا ضرب… يالا يا ابن كذا… أقذر الألفاظ، كنت واقفة أنا وبنت مصابة من 25 يناير وست عجوزة مش من أهالي الشهداء معاشها 100 جنيه وجاية متصورة إننا نقدر نساعدها. هجموا علينا ضربوني بالعصاية على ضهرى (ظهرها مصاب) وضلعي الشمال وضربوا البنت على رجليها وإيديها وفى الوش وكلمات قذرة للبنت حتى الست العجوزة الغلبانة إتضربت وضربوا المصابين وقبضوا على ستة وواحد معين ضربوه أكثر من 50 شخص لغاية ما مات وخرج نافوخه”.

وروى آخر في شهادته عن الفض أنه في “صباح السبت 19/11 الساعة 10 ونصف لقينا اللي بيشد المشمع من علينا، ‘قوموا.’ قلنا ‘ح تتهد على جثثنا.’ قال: ‘طب إديهم على دماغهم.’ حوالي 3000 عسكري محوطين الصينية وطلعونا سحل وضرب هراوات وبالرجول والكفوف. أنا رحت على المجموعة الثانية. لقيتهم بيضربوا واحد، حاولت أحميه بجسمي، إنضربت جامد كتفي إتخلع وضربوه هو كمان. سحلونا ورمونا في نص الطريق. وقفوا العربيات” .

فيما كانت أعداد المصابين تتزايد بسبب استخدام الأمن للعنف المفرط أثناء فض الاعتصام الذي لم يتعدى المشاركون فيه العشرات أو المئات في أقصى تقدير. كانت الصورة التي يبعثها الإعلام المصري هي صورة سيارة شرطة تحترق، فكان الخطاب العام في الإعلام هو أن معتصمي التحرير يخربون ويحرقون وبالتالي فإن استخدام الشرطة للعنف ضدهم مبرر. فأشار تقرير لجنه تقصي الحقائق الصادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان أن “وزارة الداخلية فسرت هذا الإجراء بقيام المعتصمين بالاستيلاء على السدادات المرورية من شارع مجلس الشعب لإغلاق كافة مداخل الميدان لمنع سير الحركة المرورية والتواجد أمام مبنى مجمع التحرير لمنع سير العمل اليومي به وهو ما أدى إلى تعدد الشكاوى من المواطنين والمعنيين بالمناطق المحيطة والأجهزة الإدارية بالمجمع، وأنها أسدت النصح للمتظاهرين قبل فض الاعتصام بالقوة لكنها قوبلت بالاعتداء على القوات والاستيلاء على سيارة ترحيلات تابعة لمديرية أمن القاهرة تصادف مرورهما بشارع محمد محمود وإحراقها، وأن الشرطة تصدت للمتظاهرين وتمت السيطرة على الموقف وفتحت الحركة المرورية لميدان التحرير من كل الاتجاهات، وتم انصراف القوات ومغادرة الميدان .” وفي نفس الوقت وفق شهود العيان كما أشار مقال في بوابة الفجر بعنوان “فض اعتصام التحرير بالقوة”، منعت قوات الأمن المارة المتواجدين على الرصيف من التصوير، واعتدت على عدد منهم بالضرب تحت إشراف اللواء “عادل بديري” مدير قطاع أمن القاهرة، ومساعده اللواء “جمال سعيد”.

وبذلك يبدأ الصراع على الرواية دائما مع بداية الأحداث. فيستعمل كل طرف جميع أسلحته لرسم صورة مبدئية يكتبون منها تاريخا في المستقبل. فتحاول السلطة خلق رواية متماشية مع خطابها السياسي العام وإسكات أو التشكيك في أي صوت يحاول زلزلة هذه السردية في حين يحاول الطرف الآخر تدوين ما يمكن تدوينه أملا في أن يتح له الفرصة للحفاظ على روايته. في حالة أحداث محمد محمود بدأ الخطاب الذي تبناه الإعلام في محاولة تشويه الشباب المعتصم من خلال الصور التي يتم اختيار إذاعتها، والتعليقات والقرارات السياسية المختارة فيبدو للمشاهد أن المعتصمين هم مجموعة من المخربين وبالتالي لا بديل لدى قوات الأمن سوى استخدام القوة.

استمرت الاشتباكات طوال اليوم بين قوات الأمن والمتظاهرين. ففي الوقت الذي تواصل قوات الشرطة إخلاء الميدان من المتظاهرين، قام عدد كبير منهم بالتجمع أمام المتحف المصري في محاولة للعودة إلى الميدان، بينما فر آخرون عبر الشوارع الجانبية المجاورة للميدان، وردد الثوار هتافات معادية للمجلس العسكري رافعين في أيديهم فوارغ القنابل المسيلة للدموع”.

وقال أحد المعتصمين تضامنا مع مصابي الثورة منذ يوم الثلاثاء 15-11-2011: “أخدت مصاب إلى القصر العيني، والساعة 4 بدأ الغاز المسيل للدموع. يوم السبت 19 بعد الساعة 4 بدأ الضرب: قنابل أول مرة نشوفها وقنابل حارقة (حرق في الجلد والعين ويعيق التنفس) وذلك كان حتى فجر الأحد.” وحكى آخر أنه كان “بتظاهر في ميدان التحرير الجمعة 18/11 تحت مطلب واحد هو تسليم السلطة، مشيت في حدود 12 مساءً روحت البيت في القليوبية وتاني يوم رجعت الساعة 2 ظهراً، الأمن المركزي كان بيضرب في المتظاهرين، في شارع محمد محمود وقفت معاهم أضرب بالطوب لأن الأمن كان عايز يهجم على الميدان وفعلاً ضربونا وطلعونا من الميدان على المغرب يوم السبت، نزلنا في الشوارع الجانبية عند طلعت حرب وقفنا، ضربونا بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والخرطوش وإحنا معانا فوارغ وأدلة (للقنابل والمطاطي) رجعنا الميدان ونجحنا في الإستيلاء عليه مساء السبت وفضل الضرب شغال في محمد محمود يسكتوا شوية وبعدين يضربونا مره واحدة”.

ومع استمرار الاشتباكات أصيب الكثير من المتظاهرين من ضمنهم بعض النشطاء والصحفيين حتى وصلت الإصابات بين الصحفيين إلى أكثر من 10 إصابات واعتقل 2 منهم. فصرح الدكتور هشام شيحة وكيل وزارة الصحة لشئون الطب العلاجي “بأن إجمالي عدد المصابين في أحداث ميدان التحرير اليوم بلغ 81 مصابًا حتى الآن حالتهم جميعا مستقرة.” كما “كشف الدكتور محمد جمال إخصائي الحالات الحرجة بقصر العيني، والمتواجد مع سيارات الإسعاف في ميدان التحرير، أن عدد الإصابات وصل حتى الآن إلى ما يقرب من 300 حالة منهم أكثر من 50 حالة إصابات بالعين” . وأعلنت نقابة الصحفيين عن استياءها الشديد لما يتعرض له الصحفيين من انتهاكات أثناء تأدية عملهم وأدانت أعمال العنف التي تقوم بها الداخلية. وكانت معظم الإصابات في منطقة الوجه والرأس، كما فقد عدد من المصابين عيونهم في هذا اليوم.

وكان من بين المصابين ” الناشط والمدون الشهير مالك مصطفى الذي أصيب بطلق خرطوش في عينه اليمنى، وتم نقله إلى مستشفى لعلاجه وذكر نشطاء أن الصحفية والناشطة رشا عزب قد أصيبت بطلقة أخرى أسفل وجهها”. وفي لقاء له مع قناة “أون تي في” المصرية في برنامج “آخر كلام” يسرد مالك مصطفي، الذي كان يصور عندما تم إطلاق النار عليه، وقائع إصابته فيقول: “كنت في طريقي مع بعض الزملاء لمساعدة بعض المتظاهرين الذين وصلتنا أخبار أنهم أصيبوا وتقطعت بهم السبل. كنا على اتصال مع البعض منهم وعلمنا أن بعضهم مصاب في الرجل ولا يستطيعون المشي. كنت في الصف الأمامي وأثناء محاولتنا التقدم أحسست بشيء يخترق عيني وسمعت صوت طلقة نارية. تداعيت قليلا لكنني وقفت على قدمي وحاولت مواصلة سيري لأجد طريقا إلى المستشفى لأنني أحسست أن إصابتي أثارت الخوف بين من حولي ولم أشأ أن ينشغلوا بي عن الآخرين لذا تحاملت على نفسي وواصلت السير لأجد وسيلة نقل أوصلتني إلى المستشفى”.

كما حكى م.ر. في مقابلة أجريت معه في مؤسسة حرية الفكر والتعبير في سبتمبر 2015 عن اصابته هذا اليوم:
“صحيت الساعة اتنين وأنا متعود لما أصحى أبص على تويترعلشان أشوف الأخبار […] قريت إنهم بيفضوا الاعتصام […] كان معايا كاميرا واحد صاحبي فنزلت بيها عادي قلت اصور بالذات إني سمعت إن الأعداد قليلة. نزلت لقيت الأعداد قليلة جدا ومجموعة كده بس متجمعة في الميدان والضرب كله في شارع محمد محمود. دخلت شارع محمد محمود وابتديت أصور كده شوية لقيت ان الجو بتاعي مش الصور -أنا من إمبابة- فرحت مسكت طوب مع الناس وقعدت اضرب، تعبت شوية من الغاز فخرجت برة الميدان. كانوا جايين من شارع الشيخ ريحان من عند كنيسة قصر الدوبارة. كان في عربية امن مركزي معدية حدفنا عليها طوب وكسرنا الازاز بتاعها. أنا كنت في الوقت ده واقف في نص الطريق وببص للصور في الكاميرا اللي أنا صورتها وبرتاح كده شوية فالعربية كانت جايةوبتشيل كل الموجود قدمها ما كانتششايفة أي حد. أنا نفسي كنت هتشال لولا أصوات الناس قالت لي حاسب مش عارف ربنا نجاني إزاي بعدها قلبي انقبض كده شوية. طبيعي يعني. بعد كده هما بدأوا يقربوا من شارع محمد محمود بس ما دخلوش الميدان. رجعنا شوية وناس كتير أوي أغمى عليها من الغاز. وتشنجات وكده. صورت اللي قدرت عليه برده وبعدين دخلنا اتقدمنا في الشارع كده شوية لحد ما رجعناهم بعد مدرسة الفلكي، في تقاطع مش فاكر اسمه ايه. قعدنا برده كده كر وفر الطبيعي بتاع كل معركة في الثورة. الساعة 5. فاكر الساعة علشانمتسجلة عندي في الصور. كان في مجموعة كده اتجمعتوبيصلوا المغرب على اول شارع محمد محمود بالضبط عند هارديز. الشرطة هجمت سعتها هجوم غبي جدا. القوات الكانت موجودة نفسها بقى – كلنا عارفين طبعا عساكر الأمن المركزي اكبر واحد فيهم بيبقى في جسمي كده رفيع، الكان موجود حتى موجود معايا في الصور على الكاميرا كانوا أجسام كده كبيرة معظمهم مش كلهم. هما دول اللي كانوا بيضربوا وكان في شوية مدنيين بس كان عدد بسيط يعني مثلا 5، 6 الله اعلم بقى مخبرين، من الأهالي، ناس بتتفرج. الضرب كله كان من الشرطة. غاز، خرطوش. في الوقت ده كان الضرب زاد. زاد بطريقة غبية اوي بالذات الغاز. المهم قعدنا ننقل المصابين، والمكن طبعا بيشتغل (دراجات نارية) وعربيات الإسعاف […] الساعة خمسة وخمسة بالضبط كانت آخر صورة أنا صورتها بعيني الإتنين. كانت الناس لسةبتصلي وحصل هجوم بالخرطوش مش الغاز بس. الناس قطعوا الصلاة كمان. هي آخر صورة ديه بعد كده حسيت بحاجة في عيني. أول لما اتصبت ووقعت كنت فاكرها طوبة أو ما كنتش عاوز أصدق إن ده خرطوش. ما كنتش قادر استوعب ده. وقعت على الأرض وناس كتير بره وقعت مش أنا بس، فالعساكر بدأت تتقدم والمدرعات والكان ربنا بيقدرهم عليه بيشدوهويسحلوه […] واحد شالني ونزلني عند عربية إسعاف بس ما رضيتش أركب ومشيت لوحدي في الميدان وكل ده كنت فاكر إن ديه طوبة طلعت واخد طلقتين خرطوش مش طلقة وحدة”.

كما حكى أيضا المصور الصحفي بجريدة المصري اليوم، أحمد عبد الفتاح، عن أصابته في لقاء مصور أجري معه يوم الإصابة ونشرته المصري اليوم على موقعها على الإنترنت، وقال في الفيديو:
“الاشتباكات كانت اغلبها مركزة في شارع محمد محمود. يعني بيبقى في كر وفر كده من أول محمد محمود لحد قبل الداخلية كده بناصية عند مكتبة الجامعة الأمريكية. كان في إصابات طول الوقت بتقع. ساعتها خدت في يدي هنا طوبة عملت لي كدمة، وخدت في رجلي خرطوشة بس اتشالت في ساعتها ما سابتش برده غير كدمة. وأنا وسط المتظاهرين وبصور، بدأ الأمن المركزي يزود جامد في ضرب الخرطوش. كنت بصور. بالضبط كنت عند يمين هارديز في أول شارع محمد محمود ما بين هارديز والجامعة الأمريكية. فوجئت مرة واحدة حسيت بأن في حاجة داخلة من تحت النظارة عند عيني اليمين كده عند الجفن بالضبط. وبعد كده حسيت بألم شديد جدا في عيني. وما قدرتش أشوف خالص بعيني اليمين. نقلنا القصر العيني القديم لغاية ما طلبوا مني أطلع الدور التاني في قسم اسمه 16 رمد. طلعت فوق الدكتور عمل كشف مبدأي كده عليها فقالي إنت عندك انفجار في العين اليمين. وده لازم نعمل له أشعة مقطعية وبعد كده تخش أوضة العمليات بس ده هياخد مده طويلة لأن في ناس كتير عندها إصابات كده. أخدوني نقلوني هنا على مستشفى فيني اللي هى مستشفى العيون الدولي في ميدان فيني عشان اعمل عملية أو اشوف هعمل إيه. الدكتور تحت تقريبا قال نفس التشخيص اللي قاله الدكتور الأول. والمفروض إني دلوقتي قاعد مستني علشان أدخل أوضة العمليات. في الأحداث اللي زي ديهبنبقى متوقعين إن يحصل حاجات زي كده كتير، لكن ما كنتش متوقع إن هتبقى في عيني. يعني طول الثورة، من يوم 25 يناير، بأخذ رصاص مطاطي كتير في رجلي. وأخذت طوب كتير في رأسي وفي جسمي، ومتخيط قبل كده غرز وكلام من ده. لكن إصابة في الوشديه كانت أول مرة. يمكن الإصابة مش عادية لأن أنا كنت بقوم بوظيفتي اللي يمكن ما اعرفش أقوم بها تاني بعد كده. أنا لو أطول دلوقتي أنزل تاني التحرير هنزل. نفسي الدكتور يخلص بسرعة وأنزل لهم تاني. مفيش مشاكل يعني. عندي عيني الشمال لسةهقدر أشتغل بها. ربنا ييسر بس. إحنا مش هنبطل ده شغلنا وده اللي بنعرف نعمله وهنفضل نعمله طول عمرنا.”
استمرت أعداد المصابين في التزايد، حيث استمرت الاشتباكات قرابة ال 18 ساعة حتى حصلت هدنة في السابعة من صباح اليوم التالي بعد أن انتهت ذخيرة الأمن المركزي. بدأت أعداد المتظاهرين في التضاؤل حيث أنهم قد انهكوا من المعارك التي استمرت طوال الليل. فكما حكى م.ش. في لقاء معه في سبتمبر 2015: “أنا ما كنتش دخلت في اشتباكات قبل كده. دي كانت أول مرة. فضلوا يضربوا فينا لحد ما وصلنا قصر النيل. بنحدف طوب وهم غاز وخرطوش وكده. حتى قنبلة غاز نزلت جنب رأسي بالضبط فاكر اللحظة. وفضلنا لحد لما رجعناهم تاني محمد محمود. وفضل الضرب طول الليل. فضلوا هما يضربوا وإحنا بنرد عليهم والناس تتصاب بينا. حصل هدنة على الفجر وبت في عمر مكرم بعدين روحت.” وأعلن مساعد أول وزير الصحة دكتور هشام شيحة مساء السبت 19 نوفمبر: “ارتفاع عدد المصابين في أحداث التحرير إلي 676 مصابا . وأوضح أنه تم إسعاف حوالي ٤٢٢ مصابا في الميدان حيث يوجد حوالي ٥٠ سيارة إسعاف, فيما نقل ٦٥ مصابا إلى المستشفيات نصفهم من عساكر الأمن المركزي.” كما قال مسؤول بوزارة الداخلية لجريدة النهار المصرية أن اشتباكات يوم السبت أسفرت “عن إصابة 21 ضابطا بكسور وجروح بالوجه والرأس، بالإضافة إلى إصابة 59 مجندا من قوات الأمن المركزي، و5 أفراد شرطة بإصابات تتراوح بين حروق وكسور وجروح قطعية كما أكد المصدر أن “تعامل قوات الشرطة مع المتجمهرين يوم السبت كان وفقا للصلاحيات التي يتيحها القانون ودون تجاوزها أو الخروج عنها، وبما يكفل الحفاظ على حالة الأمن العام وحماية الممتلكات العامة والخاصة. لافتا إلى أن أجهزة الأمن تمكنت حتى الآن من إلقاء القبض على 55 من مثيري الشغب واتخذت حيالهم الإجراءات القانونية.”

ومن جانب المتظاهرين أدلى عدد ممن تم إلقاء القبض عليهم بشهاداتهم لمركز النديم فقالت شابة “كانت ايديهم تقريبا في كل حته في جسمي.” وكان قد ألقي القبض عليها يوم السبت 19 نوفمبر، 5.30 مساءً: أنا اتمسكت في شارع موازي لمحمد محمود. الشارع آخره من ناحية قيادات داخلية ومعاهم ناس لابسه مدني ومن الناحية التانية أمن مركزي. لما مسكوني أنا كنت كويسة. لما ودوني على القيادات كنت خلاص مش قادرة آخذ نفسي والغاز ريحته مالية مناخيري.” وحكى شاب اخر “خطفوني من وسط الناس، ساعتها كان فيه ناس كتير كله كان بيضرب، جرجروني من هدومي من فوق. بقيت أقول ‘أنا لو إسرائيلي مش هتعملوا كده.’ دخلوني مكتب كله من الخشب قعدوا يضربوا فيا جوه. كنا حوالي 63 نفر وكل شوية يورد علينا ناس تاني والضرب بالأيدين. وإحنا داخلين العربية شتمونا شتايمأبيحة وضربونا بالشوم، كنا في العربية حوالي 18 وكذا عربية طلعت، مش عربية واحدة. وصلنا قسم عابدين حوالي 10 بالليل قعدونا حتى 2:30 صباح الاثنين. وقعدوا يقولوا لنا ‘أنتوا غلطانين. إيه اللي يوديكوا التحرير؟’ كان معانا حوالي 3 أفراد من 15 ل 16 سنة وبنت سمرا ورفيعة. أخدونا على النيابة. دخلونا الحجز وكل شوية يطلعوا 5 أو 10 أنفار، لما دخلت عند وكيل النيابة قال لي أقلع هدومك وكتب كسر في الركبة، وصورني. جابوا عربية 6:30 مساء ودتني الدرب الأحمر (كتيبة شرطة) كلنا فيشوا ايدينا واللي مش عليه حاجة مضوه على ورقة إننا نروح الطب الشرعي. تاني يوم خفت أروح الطب الشرعي ولسه ما رحتش.” (صور الأشعة: كسر بالركبة اليسرى).

كما أسفرت اشتباكات هذا اليوم عن سقوط عدد من الشهداء، من بينهم الشهيد “أحمد محمود أحمد” (أول شهيد في مستشفى المنيرة)، الذي أعلن عن وفاته الدكتور هشام شيحة مساعد أول وزير الصحة في مداخلة هاتفية مع برنامج “ممكن” على قناة “سي بي سي” الذي يقدمه الإعلامي خيري رمضان قائلا إن اسم المتوفي “أحمد محمود أحمد – 23 سنة –وأن المعاينة الأولية لجثة المتظاهر أشارت إلى أن الوفاة نتجت عن طلق ناري في الصدر. وأنه تم انتداب لجنة من الطب الشرعي لمعاينة جثة المتوفي.”

في هذه الأثناء كان التلفزيون المصري يصور ما يحدث في ميدان التحرير على أنه أعمال تخريبيه يقوم بها أشخاص مأجورين يرغبون في تعطيل المسار الديموقراطي وعرقلة الانتخابات. بدون الإشارة للجرائم التي كانت قوات الأمن ترتكبها من قتل وإصابة واعتقال في ذلك الوقت. ففي مداخلة تليفونية الساعة السابعة مساءً يوم السبت 19 نوفمبر على قناة المصرية –التليفزيون الحكومي- قال الدكتور حفظي زايد رئيس حزب السلام الاجتماعي “في شيء غريب بيحصلعلشان الانتخابات ما تحصلش، وعلشان الحياة تقف وتشل. وأنا أطالب المجلس العسكري بأقصى سرعة بتفريق المجموعة اللي بتعمل بلطجة في ميدان التحرير لأن دية مجموعة لا يمكن تكون تنتمي لمصر. مستحيل علشان تنزل تخرب النهار ده.” وذلك مجرد مثال للخطاب العام الذي تبناه الإعلام أثناء أحداث محمد محمود وغيرها من الأحداث لتشويه الثورة ومن يمثلها.

“إيه اللي وداهم هناك؟”: الخطاب حول محمد محمود

“جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده ظهر اليوم “الاثنين” اللواء سعيد عباس أمام مبنى وزارة الداخلية بشارع الشيخ ريحان وسط القاهرة. وقال عباس إن الشرطة لا تذهب إلى الميدان، لكن الثوار هم الذين يذهبون إلى مكان تواجد قوات الشرطة في شارع محمد محمود في محاولة منهم للتقدم تجاه مبني وزارة الداخلية.”

الخطاب العام الذي استخدمته الدولة من خلال قنواتها المختلفة من إعلام وحملات إلكترونية وبيانات ومؤتمرات صحفية كان يصور ما يحدث في التحرير على أنه محاولة لاقتحام مقر وزارة الداخلية وبالتالي يبرر الانتهاكات التي يرتكبها الأمن. واستمر هذا الخطاب الذي حول الشباب المعتصمين إلى مدمنين للترامادول يهاجمون مقر وزارة الداخلية. وأصبحت هذه هي سردية السلطة والرواية الرسمية لما حدث حتى إن لم تكن الاشتباكات في محيط الداخلية ولكن السؤال الذي كان يطرحه من يرى المشهد من الخارج هو “إيه اللي وداهم هناك؟” حكى ع.ع في مقابلة أجريت معه في سبتمبر 2015 حول هذا السؤال قائلا: “لو كنا عاوزين ندخل على وزارة الداخلية كنا هجمنا من شارع تاني. بالعكس الداخلية هي التي هجمت وفضت الاعتصام المصابين والأهالي. فالداخلية هي التي تعتدي على مظاهرة سلمية، فده اللي خلاها مش سلمية. مش إن الناس صحيت قالت يا جماعة نهجم فهجموا. لا هو حصل أحداث والأحداث دي حصل إن في ناس إتأذت، والناس اللي إتأذت دي في ناس نزلت تدافع عنها، فلما نزل ناس تدافع عنها الداخلية توحشت وابتدى يبقى في ناس أكتر بتتضرب وتتخبط فبدأ يطلع النظام الإيكولوجي بتاع الميدان. بمعنى الصف أو الصفوف الواقفة في الأول، والمستشفيات، والناس اللي في النص اللي بتتكلم. ابتدأ يطلع حالة الميدان تاني.” وأضاف “أنا فاكر برضه وإحنا قدام النقاش كان ‘طب وهنفضل نزق الداخلية لغاية إمتي؟’ لأن ساعات كانت الداخلية بتكون على آخر محمد محمود من ناحية الميدان، والداخلية ساعات بتكون رجعت لغاية الفلكي. وبيحصل مد وجزر. في ناس هدفها بتقول ‘يا جماعة إحنا هنسيطر على وزارة الداخلية،’ الرأي ده كان موجود. والرأي التاني اللي هو ‘لأ يا جماعة إحنا بندافع عن الميدان.’ انا كنت من معسكر ‘أنا بدافع عن الميدان، أنا مش رايح اقتحم وزارة الداخلية.’ مش هقدر أقول النسب دلوقتي. وفاكر كانت بوادر إن الناس تفكر وتحاول تعمل تكتيكات.”

تواجد الشباب في التحرير لأسباب مختلفة. من الممكن أن يكون البعض قد راودته فكرة اقتحام مبنى الوزارة، ولكن هذا لم يكن هو سبب الأحداث. سبب الأحداث وبدايتها كان فض اعتصام المصابين وأهالي الشهداء من قبل قوات الأمن مستخدمين القوة المفرطة، ومن هنا بدأت سلسلة اشتباكات استمرت لمدة أسبوع. لا يمكن الجزم فيما يتعلق بنوايا كل شخص في الميدان، وليس هذا هو الهدف من هذا التقرير، ولكن الهدف هو تسليط الضوء على بعض القصص الشخصية التي بدورها تشكل جزء من تاريخ هذه المرحلة.
IMAGE 1
“إحنا بنحاول نكسب أرض وبنحاول نبعد الداخلية عن الميدان على قد ما نقدر. بنحاول إن يكون في مساحة الميدان تاني. وإن الميدان يكون مكان آمن، لأن دايما كان في إحساس إن المكسب بالنسبة لي إن الميدان يبقى مكان آمن إن الناس تيجي ونقدر نعيش فيه ونقدر نبني من خلاله الكوكب بتاعنا. إن الناس تعرف تتكلم، وإن الناس تعرف تفكر، وإن الناس تعرف تحلم. الحتة بتاعة اللي هو الجمال في الشيء الجماعي ده. فأنا كان الهدف هو إن الميدان يبقى محمي، وإن فيه وقت الضرب سيقف ومهم لما يقف يكونوا هما أبعد حاجة من الميدان […] أنا كان هدفي الشخصي ان الميدان يبقى آمن للكلام […] لما الضرب طول إبتدى يبقى في أسئلة في دماغي هي ‘هل ده الشكل الصح للمعركة اللي إحنا فيها وألا لأ؟’ كنت حاسس إن إحنا محتاجين نتكلم أكتر من إن إحنا نكسب أرض. اللي إحنا عملناه هو إن إحنا بنقف في دائرة وجبنا قزازة مية فاضية وبنحطها في نص الدورية واللي عاوز يقول حاجة يأخذ قزازة المية وعنده دقيقتين يتكلم، يا إما يقول رأيه، يا إما يسأل سؤال عاوز المجموعة تجاوب عليه، وبعدين يرجع يحط القزازة في وسط الدايرة وحد تاني اللي عايز يتكلم بعديه يأخذ القزازة. وديه وسيلة أصلا بنستخدمها كميسرين وقلنا نجربها في الميدان ونفعت. […] ساعتها كانت الانتخابات جاية فكان فيه سؤال’ يا جماعة المفروض ننزل ننتخب وألا لأ؟ ونقاطع الانتخابات ديه وألا لأ؟’ فكان فيه أسئلة كتيرةعاوزين نجاوب عليها كمجموعة ناس مع بعض، بنفكر بصوت عالي مع بعض في الميدان.”

تابع اليوم الثاني

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY